عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف

725

إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت

تراجعني فيها الهوى أمّ شادن * وأجفانها تجري وأشجانها تغلي « 1 » وتلوي بليّتها مخافة طفلة * ترى ما بها من حسرة البين أو طفل تصدّ لإيهام الأطيفال تارة * وتقبل أحيانا بفوّارتي وبل « 2 » ويمنعها سوق المقال نشيجها * سوى كلمات ساقطتها على رسل تقول : إلى أين السّرى بعد ما ترى ؟ * فليس لنا ذرع على فرقة الشّمل « 3 » فقلت : قريبا تنطوي مدّة النّوى * ويعقبها من فضله اللّه بالوصل والشّوط بطين جدّا من أمثال هذا ، ولكن لا حاجة لإثارة الأشواق ، وتجديد الأحزان ، ولقد كانت لي أخت صالحة تجرمت لها الأعوام في الأمراض المزمنة والأوجاع المؤذية ، وعرضنا عليها أن تمرّض في بيتنا . . فامتنع زوجها ، فكانت لا تغبّنا زيارة مع ضعفها ، تستشفي برؤيتنا واستنشاق هوائنا ، حتّى اشتدّ بها المرض وألحّ عليها الألم ، فكانت تأمر أن تحمل لتطلّ من نافذة يتراءى لها منها مكاننا ، فقلت في جملة رثائها [ من الطّويل ] : وكم هزّها شوق لمسقط رأسها * فناء بها ضعف فجاش لها وبل تذوب حشاها حسرة كلّما بدا * مصلّى أخيها أو تراءى لها النّخل وكان سيّدنا الجدّ سقّاف بن محمّد يحرص كثيرا على سرور أهل بلاده ، حتّى إنّه ليرتقي سطح داره في أيّام الصّيف والخريف فإن لم يسمع غناء ولا طبلا . . تكدّر ؛ لأنّهم لا يخرجون بتركه عن عادتهم في ذلك إلّا لمكدّر عيش ، ومشوّش بال . وكانوا مع فرط الصّفاء وترادف السّرور في فقر مدقع متساوين فيه ، وإن وجد لدى أحد شيء من المال . . لم يعرف أثره في لباسه ، ولا في أثاثه ولا في داره ، وإنّما يظهر أثره في

--> ( 1 ) الشّادن : ولد الغزال عندما يطلع قرناه ويستغني عن أمّه . ( 2 ) الفوّارة : العين الّتي يفور ويجري ولا ينقطع ماؤها . الوبل : المطر الشّديد وهو هنا كناية عن فوران العينين بالدموع . ( 3 ) ذرع : قوّة وطاقة .